سيد محمد طنطاوي
176
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لامتناع . أي : حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه ، لأجل امتناع وقوع شرطه ، وقد امتنع هنا إهلاك الناس ، لامتناع إرادة اللَّه - تعالى - ذلك . وقوله « يؤاخذ » مفاعلة من المؤاخذة بمعنى العقوبة ، فالمفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد . فمعنى آخذ اللَّه - تعالى - الناس يؤاخذهم : أخذهم وعاقبهم بسبب ذنوبهم . والأخذ بمعنى العقاب قد جاء في القرآن الكريم في آيات كثيرة : ومن ذلك قوله - تعالى - وكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَه أَلِيمٌ شَدِيدٌ « 1 » . والباء في « بظلمهم » للسببية ، والظلم : مجاوزة الحدود التي شرعها اللَّه - تعالى - وأعظمه الإشراك باللَّه - تعالى - كما قال - تعالى - إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . والمراد من المؤاخذة بسبب ظلمهم : تعجيل العقوبة لهم في الدنيا . والضمير في قوله - سبحانه - « عليها » يعود على الأرض . وصح عود الضمير عليها مع أنه لم يسبق ذكر لها ، لأن قوله « من دابة » يدل على ذلك لأنه من المعلوم ، أن الدواب تدب على الأرض . ونظيره قوله - تعالى - في آية أخرى ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ أي : الشمس . فإنه وإن كان لم يجر لها ذكر إلا أن المقام يدل عليها . ورجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إلا أن المقام يدل عليه كثير في كلام العرب ، ومنه قول حاتم الطائي : أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فقوله : حشرجت وضاق بها ، المقصود به الروح أو النفس ، ولم يجر لها ذكر ، إلا أن قوله : وضاق بها الصدر ، يعين أن المراد بها النفس . والمراد بالساعة في « لا يستأخرون عنه ساعة » مطلق الوقت الذي هو غاية في القلة . والمعنى : ولو عاجل اللَّه - تعالى - الناس بالعقوبة ، بسبب ما اجترحوه من ظلم وآثام ، لأهلكهم جميعا ، وما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب عليها ، ولكنه - سبحانه - فضلا منه وكرما ، لا يعاجلهم بالعقوبة التي تستأصلهم بل يؤخرهم « إلى أجل مسمى » أي : إلى وقت معين محدد تنتهي عنده حياتهم ، وهذا الوقت المحدد لا يعلمه إلا هو - سبحانه - « فإذا
--> ( 1 ) سورة هود الآية 102 .